فخر الدين الرازي

91

تفسير الرازي

الصفة الثالثة : كمية ذلك القيام ، روى عنه عليه السلام أنه قال : " يقوم الناس مقدار ثلاثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر " وعن ابن مسعود : " يمكثون أربعين عاماً ثم يخاطبون " وقال ابن عباس : وهو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة . واعلم أنه سبحانه جمع في هذه الآية أنواعاً من التهديد ، فقال أولا : * ( ويل للمطففين ) * ( المطففين : 1 ) وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء ، ثم قال ثانياً : * ( ألا يظن أولئك ) * وهو استفهام بمعنى الإنكار ، ثم قال ثالثاً : * ( ليوم عظيم ) * والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية العظمة ، ثم قال رابعاً : * ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) * وفيه نوعان من التهديد أحدهما : كونهم قائمين مع غاية الخشوع ونهاية الذلة والانكسار والثاني : أنه وصف نفسه بكونه رباً للعالمين ، ثم ههنا سؤال وهو كأنه قال قائل : كيف يليق بك مع غاية عظمتك أي تهئ هذا المحفل العظيم الذي هو محفل القيلة لأجل الشيء الحقير الطفيف ؟ فكأنه سبحانه يجيب ، فيقول عظمة الإلهية لا تتم إلا بالعظمة في القدرة والعظمة في الحكمة ، فعظمة القدرة ظهرت بكوني رباً للعالمين ، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن انتصف للمظلوم من الظالم بسبب ذلك القدر الحقير الطفيف ، فإن الشيء كلما كان أحقر وأصغر كان العلم الواصل إليه أعظم وأتم ، فلأجل إظهار العظمة في الحكمة أحضرت خلق الأولين والآخرين في محفل القيامة ، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل ، وفي إظهار العيب وإخفائه ، وفي طلب الإنصاف والانتصاف ، ويقال : من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه ، فليس بمنصب والمعاشرة والصحبة من هذه الجملة ، والذي يرى عيب الناس ، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة ، ومن طلب حق نفسه من الناس ، ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه لنفسه ، فهو من هذه الجملة والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً . قوله تعالى * ( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا